<
<
الرئيسية أصداء الجالية على هامش تخليد الذكرى الـ23 لوفاة المغفور له الحسن الثاني

على هامش تخليد الذكرى الـ23 لوفاة المغفور له الحسن الثاني

15 نوفمبر 2021 - 10:46
مشاركة

 

لا يوجد في العالم رجل يشبه الحسن الثاني على الإطلاق

يخلد الشعب المغربي، اليوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الثاني 1443 هـ، في أجواء من الخشوع، الذكرى الـ 23 لرحيل الملك الموحد والعاهل الباني جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، وهي مناسبة يقف فيها المغاربة بكل تقدير وإجلال عند مسار ملك عظيم وهمام وقائد مؤثر طبع ببصماته التحولات الكبرى، كما أثر بشخصيته وحكمته وبعد نظره في الأحداث العالمية الكبرى التي ميزت عهده.

جنازة سار فيها المشيعون، وعلى رأسهم مُمثلو أكثر من 70 وفداً لدول مُختلفة، وثلاثون زعيماً عالميا، لثلاث كيلومترات، إلى أن وصل جُثمان الراحل الحسن الثاني إلى مثواه الأخير، محمولاً على متن سيارة مكشوفة.

كان رحمه الله جامع العلوم السياسية والقانونية وحافظ الثقافة والمعرفة . ولد رحمه الله في 9 يوليوز 1929 ونشأ منذ طفولته نشأة دينية وعاش حياة شريفة بأخلاق سنية باذلا جهوده لمعرفة أحكام دينه ساعيا في سبيل ما يؤدي به إلى قوة إيمانه ويقينه حريصا على التعلم من أساتذة زمانه والاستفادة من مشايخ أوانه مولعا بأمور الدين وتواقا إلى الثقافة السياسية بدراية خارقة، مغتنما أوقات عمره وأيام شبابه منطلقا نحو غايته المنشودة من جمع المعرفة والثقة إلى أن بلغ ما بلغه من علو المقام فأصبح أمير المؤمنين لأئمة الإسلام رحمة الله عليه وعليهم أجمعين.

لجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه آراء هامة قيمة في المنتظم الدولي وفي العرب والعروبة، وهذه الآراء الجديرة بكل تقدير واهتمام لم تأت هكذا.

إننا لو نظرنا إلى لباب السياسة التي كان ينهجها المغفور له الحسن الثاني لوجدناها تدعو  إلى السلام والأخوة والمحبة والديمقراطية وقد اجتمعت أراء العلماء السياسيين والحقوقيين والمحللين والملاحظين المختصين في العلاقات الدولية في إشكالية الحسن الثاني صاحب النظرية العميقة والذي كان دائما يدعو إلى الدفاع عن العرض والكرامة.

الحسن الثاني الذي أرسى قواعد الديمقراطية وشيد العمران وبنا الضمير الذي سيتحمل أمانة المستقبل بل صنع الرجال الذين سينقلون المغرب إلى آفاق رحبة عبر تاريخه الطويل.

كانت لفقيد هذا البلد الأمين صفات بالغة من المعرفة والقدوة ما بلغت، واصلة من العطف ما وصلت، ولا خلاف عليها بين محبيه وأعدائه على سواء فهؤلاء وهؤلاء يقرون إنصافه بتلك الصفات وان المغربي لا يرى كيف يفضل واحد منها على الأخرى فهو شجاع باسل، بر، كريم ، مثقف، زاهد ، تقي، نبيل، متواضع، سياسي ومتضرع، فكان أحسن خلف لأحسن سلف وله في الحكمة والبلاغة أقوالا يتداولها الناس على مدى السنين المتعاقبة في لفظها روعة قبل وفاته وبعدها. ونجدها حاليا على مواقع التواصل الإجتماعي بجميع أنواعها.

والمشهور عنه أنه كان أقضى أهل زمانه وأعلمهم بالعلوم السياسية والتاريخ والجغرافية والفقه والشريعة والبلاغة وكان واسع القدرة على استنباط الأحكام من آيات القرآن ومن الأحاديث والعرف، بل لقد كان في حقيق الأمر مشرعا يشرع لكل مناسب حكمها.

لقد كانت سنة 1975 سنة مشهودة في تاريخ جلالة المغفور له الحسن الثاني من قضية الحرية والاستقلال واستكمال حوزة التراب الوطني وجلالته رحمه الله لم يكن عمره هو سبعين سنة بل اعتبارا لمواقفه الصلبة في كل المراحل العصيبة التي اعتبرت من أيام عجاف لما كان لها من خطورة بشتى أنواعها في حياة الملك الراحل والشعب المغربي تقضي بالقول أن الملك الحسن الثاني رحمه الله عاش ثلاثمائة سنة من حيث الأسس التي انطلق منها ومن حيث المسارات التي اتخذها في تقديري، لا يوجد في المغرب رجل يشبه الحين الثاني على الإطلاق.

فإذا اتفقنا على ضرورة مواصلة مسيرة الحسن الثاني فأفضل الأوقات اليوم تجبرنا على أن نشد أيدي بعضنا البعض لنتجاوز فيه السنوات التي كانت بمثاب مختبر سادت فيها الاختلافات وفي مفهومها.

ألا يصبح من أبسط حقوق جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه وأولى أولوياتنا أن نشهد له أنه كان يرى ما لم نره؟ في خطاباته كان يضرب لنا في كل مناسبة تاريخ الأمم ونهضة شعوبها التي هبت رياح التغيير عليها من جهات الكون الأربع في أيامنا المعاصرة هذا هو الحسن الثاني توفي يوم الجمعة 23 يوليوز 1999 ميلادية وصاحب أكبر منجزات المغرب، كان مفتاحا من مفاتيح السلام وقد اقتدى به في ذلك الكثير من المفكرين السياسيين وبالإجماع الدولي حظي الحسن الثاني في حياته كما الشأن مماته برجل الدولة السياسي الذي لا يعوض.

عبقرية الحسن الثاني

لقد حفل العهد الحسني الزاهر بأحداث بارز سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي في الداخل وفي الخارج فعلى المستوى السياسي انصرف اهتمام جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه منذ توليه مقاليد الأمور إلى ترسيخ دعائم الحرية بإجلاء الجيوش والقواعد من بلادنا الشيء الذي أكد السيادة الوطنية، وهكذا اقترن الاحتفال بعيد الاستقلال لسنة 1961 بالاحتفال يعي الجلاء، نفس الشيء تكرر بصور أخرى لتحقيق السيادة الوطنية وترسيخها في مناطق سيدي إفني وطرفاية وقبلهما المنطقة الشمالية وطنجة، واستمر رحمه الله بالمطالبة باقي الأقاليم من نير الاستعمار، سواء على مستوى المفاوضات بين المغرب واسبانيا أو على مستوى المنظمات الدولية واللجنة المختصة في الأمم المتحدة، هذه المساعي التي توجت في سنة 1975 بإعلان جلالته تنظيم المسيرة الخضراء التي فاجأت العالم واعتبرت حدث القرن. وقد شارك فيها 350.000 متطوع من الرجال والنساء، انطلقوا من جميع جهات المملكة نحو الصحراء المغربية لصلة الرحم مع إخوانهم فيها مسلحين بكتاب الله عز وجل وإيمانهم بقضيتهم وعلى إثرها تم جلاء الاستعمار الاسباني.

وعلى المستوى الداخلي خاض المغرب معركة لا تقل أهمية عن معركة التحرير والوحدة  حيث انصب اهتمام جلالة الملك الحسن الثاني أسكنه الله فسيح جناته على وضع أسس تمكن الشعب المغربي من مؤسسات تمثيلية على الأصعدة المحلية والجهوية والوطنية.      

  وهكذا عرفت سنة 1962 الاستفتاء على أول دستور للمملكة ساير روح العصر ومتفق مع مبادئ الإسلام الحنيف ومن تم عاش المواطنون فرصة افتتاح أول دورة للبرلمان في نوفمبر 1963 وهي الخطوة الأولى في سبيل بناء صرح الديمقراطية وتثبيت دعائمها وبالرغم من العثرات التي تعرفها كل التجارب الكبيرة فإن المسلسل الديمقراطي سرعان ما استعاد حيويته برجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي واليوم صارت التجربة الديمقراطية المغربية  نموذجا يحتدى بها على الصعيدين الاقليمي والدولي.

وكما عرف العهد الحسني حيوية في مجال السياسة الداخلية عرف المغرب إشعاعا دوليا جعل من بلادنا منطلقا لعديد من المبادرات التي ترمي إلى حل كثير من المشاكل التي تتخبط فيها البلدان العربية والإفريقية والإسلامية.

فقد عمل جلالته قدس الله روحه على تعزيز الوحدة الإفريقية والدفاع عن قضاياها في التحرر من الاستعمار، ومحارب التخلف والفقر، كما أسهم بحظ وافر في بناء المغرب العربي الكبير، لولا العراقيل التي يضعها خصوم الوحدة في سبيل تحقيق هذا الهدف، بنفس الحماس  عمل المغرب في عهد جلالة الملك الحسن الثاني على نصرة القضايا العربية وساهم بفعالية في مختلف اللقاءات، فكان لجلالته نضال كبير في توحيد الصف العربي  ومواجهة إسرائيل أكثر من ذلك فقد اشترك المغرب بقواته المسلحة الملكية في الدود عن الكيان العربي سواء في سيناء مصر أو جولان سوريا وأظهر الجندي المغربي مثالا للبسالة والتضحية والفداء حينما تطلب الموقف العربي ذلك.

لقد كانت قضية فلسطين قضية مثيرة بالنسبة لبلادنا، وفيها اتخذت أهم القرارات التي تحضى القضية العربية الأولى وما مؤتمرات القمة التي انعقدت بالرباط وفاس والدار البيضاء إلا علامات في هذا السبيل، ونخص بالذكر مؤتمر الرباط لعام 74 الذي كرس تمثيلية منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني والدور الطلائعي والفعال الذي لعبه المغرب من أجل الإجماع العربي على اتخاذ هذا القرار التاريخي بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

على المستوى الإسلامي كان المغرب أول من احتضن مؤتمر القمة الإسلامي الأول في سبتمبر 69 يدعو من جلالة المغفور له الحسن الثاني بعد جريمة إحراق المسجد الأقصى ، هذا المؤتمر الذي انبثقت عنه منظمة المؤتمر الإسلامي ومؤسساتها التي تتحرك إلى اليوم بحيوية سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية ومازال همها الأول أن تكون في مستوى التحديات التي تجابهها قضي فلسطين والأماكن المقدسة بها.

ولرخاء الشعب انصب اهتمام جلالة الملك الحسن الثاني رحمة الله عليه على تنمية القطاعات الاقتصادية فرأى بثاقب نظره أن التحكم في الموارد الطبيعية والثروات المائية أهم إجراء يحقق تطور الفلاحة التي هي ركيزة الاقتصاد الوطني وأساس أي إصلاح زراعي حقيقي، وهكذا عرفت البلاد سلسلة من السدود موزعة على كافة الأقاليم لتحقيق مشروع المليون هكتار من الأراضي السقوية وتوفير أساس طاقوي وحماي عد مناطق من فواجع الفيضانات والاستفادة من المخزون المائي لسنوات الجفاف.

لقد كانت سنوات الجفاف التي عرفها المغرب اختبارا عمليا لسياسة السدود التي لولاها لما استطاعت بلادنا أن تجتاز الأزمة بدون خسائر كبرى كما حدث في العديد من البلدان التي تضررت بالجفاف وحلت بها مجاعات مهولة، وحتى لا يعرف المغرب قصورا في المجالات الأخرى تركزت الجهود بفضل حنكة  وخبرة جلالته وإرشاداته النيرة خلال ربع القرن الأخير على إقامة نسيج اقتصادي متطور وشيدت المصانع والمعامل لتلبية الحاجيات الأساسية للمواطن المغربي وتوفير فرص الشغل وإقامة شبكة حديثة من المواصلات تستجيب لمتطلبات التنمية وتربط في نفس الوقت بين مختلف المناطق والجهات.      

كما حضيت القطاعات الأخرى بنفس الاهتمام فازدهرت قطاعات التعليم سواء في البادية أو المدين وشيدت الجامعات والمعاهد العليا.

كما انصب الاهتمام بالقطاعات الاجتماعية وقطاع الصحة والضمان الاجتماعي والقضاء على مدن الصفيح تدريجيا ومحاربة الفقر.

إن جردا كاملا لما تحقق خلال العهد الحسني يحتاج لعد مؤلفات وآلاف الصفحات بالإضافة إلى الشهادات المنطوقة أو المكتوبة أو المرئية التي عبر عنها العديد من رؤساء الدول والشخصيات السياسية والفكرية من مختلف أنحاء العالم عن عبقرية الحسن الثاني في إسعاد الإنسانية.

وها هو وارث سره جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وهو يواصل، ليل نهار، العمل الدؤوب من أجل وضع المغرب على سكة القرن الواحد والعشرين، مع ما يتطلبه ذلك من عصرنة وتحديث، عنوانهما تلكم الأوراش الكبرى التي أطلقها جلالته من شمال المملكة إلى جنوبها، وتعزيز مغربية الصحراء على الساحة الدولية والنهوض بالأقاليم الجنوبية وجعلها قاطرة للتنمية الإقليمية والقارية.

وقد عرف المغرب مند تولى جلالة الملك محمد السادس حكمه  سلسلة مترابطة من الأوراش التنموية المستدامة، شملت مختلف المجالات و القطاعات بالدولة، كما شكلت هندسة اجتماعية تضامنية شاملة الرؤى تتوخى في جوهرها جعل المواطن ضمن الأولوية الكبرى في مسلسل الإصلاح الشامل، و الهدف الأساسي للنهوض بالعنصر البشري ببلادنا، رسخ من خلالها جلالته مبادئ التضامن و التكافل و التآزر الاجتماعي، برؤية ملكية تضامنية للمجال الاجتماعي والاقتصادي حيث اعمدت احدث النظم والأساليب التدبيرية، وذلك من خلال وضع أهداف واضحة تتسم بالانسجام والفعالية والنجاعة والملائمة مع القدرة على التأثير و تحديد دقيق للمؤشرات كل ذلك وفق آلية الحكامة المجالية من اجل اسعاد الشعب المغربي.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً