<
<
الرئيسية أصداء الجالية عادات سيئة في مجتمعنا .. أسبابها وآثارها في حياتنا

عادات سيئة في مجتمعنا .. أسبابها وآثارها في حياتنا

14 نوفمبر 2021 - 9:37
مشاركة
بقلم عبد الهادي مزراري
في حديث خاطف هذا الصباح مع زميلة صحافية حول تعدد ألوان الشخصية، التي يتميز بها الإنسان المغربي، وما يطبع سلوكه في الجانب السلبي لتقمص الأدوار، وانتهاز الفرص، وتسلق السلاليم المثبتة على الجدران، في مشهد يحاكي اللص المتربص بالمناصب والمكافآت والترقيات، التي لا سبيل له إليها سوى من النوافذ الخلفية بما اجتهد فيه من حيل ومكر وخداع ورشوة.
كان من الصعب أن أشرح في كلمات وجيزة سيكولوجية بعض الأشخاص نشأوا في بيئة تفرض قانونها ولا تمنح جواز المرور إلا لمن أجاد فن المراوغة واتصف بصفات حقيرة تجعله مقبولا في مجتمع لا يؤمن إلا بالحقارة. وهذا موضوع شائك ومعقد لا يمكن التطرق إليه إلا إذا كنا قادرين على البوح بالحقيقة وتقبل سماعها بصدر رحب.
بكل تأكيد هناك حالات استثناء، ولكن عندما نريد تسليط الضوء على الجانب الفارغ من الكأس لا بد أن نخضع الهواء للتحليل، لأن هدفنا هو إصلاح مجالنا الحيوي الذي نعيش فيه.
يسجل مجتمعنا المغربي تطورا مطردا على مستويات كثيرة، يرتبط بالتقدم الحضاري الذي حققته البشرية في مجالات كثيرة، والمجتمع المغربي كجزء من المجتمعات العالمية، التي استفادت من الاكتشافات العلمية، لكن لم تستفد مما هو معنوي وإنساني وترقى بسلوك الأشخاص إلى ممارسات حضارية تحترم القيم الإنسانية وتعطي للإنسان ما يستحق من كرامة وحقوق.
في مجتمعنا اختلط ما هو أصلي بما هو معاصر، في مشهد فقدت فيه الأصالة جوهرها كما خلت المعاصرة من مضمونها، وأصبحنا نقيم تعاملاتنا بالسؤال المخجل “لماذا لسنا مثلهم في احترام بعضهم البعض؟”.
في بلاد الغرب يبدو كل شيء مرتب في مكانه بعناية فائقة، القطار يصل ويقلع في الوقت المحدد له، الحافلة لا تتأخر، الجيران لا يتدخلون في شؤونك، لا يتجاوزك أحد وأنت في الطابور، لا تتعرض لسوء المعاملة وأنت في مخفر الشرطة أو في مكتب موظف، لا يوجد حراس يمنعون المريض من الدخول إلى المستشفى، لا يأتي طفل إلى قاعة الدرس وقدماه متورمتان بالحفي والبرد، ويصفعه المدرس لأنه تأخر في الوصول… وإلى غير ذلك من المشاهد التي تجعلنا لا نشبههم.
لفهم سبب الاختلاف بيننا وبينهم، وفهم سر المشهد المرتب بعناية في بلادهم، يكفي أن نقول إنهم يضعون الشخص المناسب في المكان المناسب، مقابل ذلك نضع نحن الشخص غير المناسب في المكان الذي لا يناسبه، وتكون النتيجة هذه الفوضى التي نعيشها ونتربى فيها ونربي فيها الأجيال القادمة.
كم من شخص مكانه الطبيعي هو حراسة مستودع براميل الزيت الفارغة بينما نجده المشرف الرئيسي على مصنع إنتاج الزيت، وإذا بحثنا في سبب تبوئه للمنصب الذي يسيطر عليه، تطلعنا سيرته الذاتية على الشواهد العليا، التي نالها في الانبطاح والنميمة والكذب والرشوة.
مثل هذا المسؤول لا يمكن له أن يحيط نفسه إلا بمن يملكون الشواهد نفسها التي أوصلته إلى رئاسة مصنع الزيت، وبالتالي فإن ذوي الكفاءات العلمية والحاصلين على الشواهد العليا لا حظوة لهم في إدارة السيد الرئيس، وإن كان من فرصة عمل لهم داخل المصنع فمكانهم بجانب الآلات التي تعمل ولا تفكر.
حالة لا يمكن تعميمها في مجتمعنا، ولكن الأمر يقتضي أن نجيب على السؤال الذي نطرحه دائما وهو “لماذا كل شيء ليس على ما يرام رغم مئات برامج التطوير وآلاف محاولات الإصلاح؟”.
بكل بساطة لأن الأشخاص السيئين، الذين يسيطرون على مواقع المسؤولية يعتبرون خبراء في فرملة الإصلاح وإجهاضه، لأنه لا يحقق مصالحهم، بل يهدد مستقبلهم، الذي هو بطبيعة الحال ليس مستقبل المؤسسة أو البلاد. ولذلك تتفتح عبقرياتهم على سيناريوهات خطيرة لإبعاد كل من لا يتقاسم معهم الكفاءة في الرداءة والنفاق والكذب والفساد.
ولهذا كلما دق ناقوس الإصلاح في مجال معين أو مؤسسة ما يلجأون إلى خطة “تعيينات الدقيقة 90” لأشخاص يساندونهم في حمل مشعل الرداءة وتكريس الفساد، وهذا مشهد يتكرر دائما حتى في حال إقبال مسؤول كبير على مغادرة منصبه بعد أفول نجمه، فيأبى إلا أن يترك بيضه المتعفن في الإدارة التي كان يعتو فيها عفونة.
طوال السنوات التي أعقبت استقلال البلاد عن سلطات الحماية الفرنسية، لم تتمكن نسبة من المغاربة من التخلص من عادات سيئة كان بعض أجدادهم يمارسونها كوسيلة لكسب العيش في ظل نظام الحماية، وتدخل هذه العادات السيئة في وظيفة العمالة لصالح القوة الأجنبية، وتشتمل على وظائف تعد من الرذائل في المجتمع.
سمى المغاربة العديد من الوظائف المخزية بأسماء محلية مختلفة وتعني المهمة نفسها مثل “الشكام والبياع والحضاي والبركاك والرقاص”، ولأصحاب هذه المهمة مقابل مادي يحصلون عليه من سلطة الحماية، كما هناك وظائف أكثر تقدما وتتمثل في اليد التي تبطش، وتعمل في سلك السلطة، حيث عمل نظام الحماية على توظيف أصحاب هذه المهام في القضاء على كل أشكال المقاومة.
إلى يوم الله هذا لا يستحسن المغاربة هذه الوظائف السلطوية وينتابهم الفزع الأكبر من ذكرها، لكن إذا كان دورها سلبيا بالنسبة للشعب المغربي إبان الحماية، فدورها كان إيجابيا بالنسبة لأصحابها وبالنسبة لسلطات الحماية، وكانت توفر عائدات مادية مهمة لمن يقوم بها.
حصل المغرب على الاستقلال، منذ أكثر من ستة عقود، لكن نسبة من أفراد شعبه لم يستقلوا عن العادات السيئة التي مارسها أسلافهم، الذين عاشوا من أجل ذاتهم وليس من أجل وطنهم، وبعض الخلف يعيش الآن من أجل الذات وليس من أجل المجتمع.
طابت أوقاتكم

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً