العمل الجمعوي بالمغرب الى اين ؟

12 نوفمبر 2021 - 11:08

 

     لا شك أن العمل الجمعوي بالمغرب لعب أدوارا هامة في النهوض بعدة مجالات، وشكل العمل التطوعي دعامة قوية للتنمية البشرية وأساسا  بُنيت عليه عدة مشاريع منتجة، منها الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و الرياضية و غيرها. واعتبرت قوانين الحريات العامة التي سنت في مطلع الاستقلال والمتعلقة بقوانين الجمعيات والتجمعات والصحافة مكسبا كبيرا سجل تطلع المغرب لإرساء نظام ديموقراطي تعددي. وإذا كانت هذه القوانين قد اعترتها تعديلات سلبية تأثرت بالصراع السياسي لفترات الستينات والسبعينات بصفة خاصة فقد سمح الانفتاح السياسي خلال التسعينات، بفضل تطور نضالات المجتمع المدني والقوى الديموقراطية، من القيام بإصلاحات متتالية مكنت من مواكبة التطور السياسي الذي عرفته البلاد.

     وأكدت مختلف المبادرات والتقارير التي أنجزها المغرب في سياق مسلسل الإصلاح والتصحيح والمصالحة الذي خاضه منذ أواخر التسعينات ، وخاصة تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة وتقرير خمسين سنة من التنمية البشرية بالمغرب، على أهمية تحرير وتثمين وتمكين المواطن المغربي من حقوقه كاملة، وتوطيد دولة القانون والمؤسسات وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع وتحصين وتنمية الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، كما أكدت على مركزية وموقع ووظيفة المجتمع المدني وانخراط ومشاركة المواطنات والمواطنين في الشأن العام في مسار الإصلاح الديموقراطي والتنموي.

     وقد جاء دستور2011، الذي أنجز في خضم الحراك الديموقراطي الذي شهده المغرب ومحيطه الإقليمي، معززا لأدوار المجتمع المدني ومترجما لمطالب مختلف مكوناته، وذلك بالتنصيص على مبدأ الديموقراطية التشاركية والتأسيس لمقاربة شاملة ومندمجة للحقوق المرتبطة بالمجتمع المدني والجمعيات كما هي متعارف عليها عالميا، تجلى ذلك في كل من ديباجة الدستور وكذا في باب الأحكام العامة والحريات والحقوق الأساسية وبصفة خاصة في الفصول 1 و6 و12 و13 و14 و15 و33 و37 و139 و170.

     وتفعيلا لمقتضيات الدستور، وبناء على المبادرة الحكومية ذات الصلة، انطلق الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة، بعد تنصيب لجنة وطنية مستقلة قامت بإدارته من تاريخ تنصيبها يوم 13 مارس 2013 إلى تاريخ المناظرة الوطنية الختامية يومي 21 و22 مارس 2014. وخلال هذه الفترة التي تجاوزت سنة من الاشتغال، عقدت اللجنة 18 لقاء جهويا في مختلف جهات المغرب، كما نظمت العديد من الندوات العلمية والموضوعاتية واللقاءات التشاورية مع العديد من الفعاليات الوطنية والأجنبية ومع فاعلين مدنين من مغاربة العالم ، كما ساهمت في عدد مهم من اللقاءات الحوارية الإقليمية التي نظمتها ، حيث بلغت نسبة المشاركة ما يزيد عن عشرة آلاف 10000 جمعية، ناهيك أن اللجنة حرصت على عقد العديد من اللقاءات النوعية مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين والخبراء على المستوى الوطني. وقد أكد مختلف الفاعلين ما يلي :

من جهة أولى : المساهمة الكبيرة للجمعيات، باعتبارها ممثلا للمجتمع في تنوعه وغناه، ومجالا لتفعيل حرية وحقوق ومسؤوليات المواطنات والمواطنين، ومدرسة للمواطنة، وشريكا في مسلسل التنمية الديموقراطية والنهوض بحقوق الإنسان، وفاعلا مهما في التنمية البشرية المستدامة وفي التشغيل وتعبئة موارد مالية هامة من الداخل والخارج، ومساهما أساسيا في معالجة التحديات الاجتماعية والإنسانية والبيئية والحقوقية … وقوة اقتراحية من أجل حكامة ديمقراطية رشيدة؛

ومن جهة ثانية : وجود عدة ثغرات وعوائق مرتبطة أساسا بما يلي:

  • البيئة التشريعية والسياسية والتنظيمية غير الملائمة في كثير من جوانبها لحرية العمل الجمعوي؛
  • وجود عدد من ممارسات السلطات العمومية والمنتخبين الجماعيين تعيق حرية الجمعيات وتمس باستقلاليتها وخاصة على المستوى المحلي؛
  • نقص الموارد والقدرات المؤسساتية وضعف الحكامة لدى العديد من الجمعيات.

     مما يجعل النهوض بالحياة الجمعوية، يمر أساسا عبر تأهيل البيئة التشريعية والمؤسساتية للعمل الجمعوي بملائمتها مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان بشكل عام وحريات الجمعيات بشكل خاص، بالإضافة إلى اتخاذ مختلف التدابير السياسة والمؤسساتية وتقوية الموارد البشرية والإدارية والمالية للارتقاء بالممارسة الجمعوية إلى مستوى الأدوار الدستورية الجديدة. وانطلاقا مما سبق، ركز المشاركون في الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة عبر مختلف محطاته على الإشكالات والمطالب التالية:

  • استمرار التضييق على حرية الجمعيات والمس باستقلاليتها؛
  • تعقد مسطرة تأسيس الجمعيات، وتجاوزات السلطات الإدارية المكلفة بتلقي التصريح بالتأسيس للمقتضيات القانونية؛
  • ضعف الدعم والتمويل العمومي ونقص الموارد البشرية والمالية؛
  • محدودية نمو الثقافة المدنية وقيم التطوع؛
  • عدم وضوح وعدالة معايير الاستفادة من التمويل والشراكة و الحصول على صفة المنفعة العامة؛
  • الحاجة إلى تطوير نظام الحكامة والشفافية في التدبير الإداري والمالي للعديد من للجمعيات؛
  • ضرورة تثمين العمل التطوعي بتقنين التطوع وتشجيع التشغيل في الجمعيات؛
  • ضعف المشاركة الديموقراطية للجمعيات في تدبير الشأن العام وفي مخططات وبرامج التنمية ومحدودية الآليات العمومية للمشاركة؛
  • الحاجة إلى الاستثمار في دعم وتأهيل قدرات الجمعيات وتطوير البحث العلمي حول قضايا وأوضاع العمل الجمعوي؛

     وتبعا لذلك أفضت النقاشات إلى مجموعة من الاختيارات نجملها في ستة أهداف استراتيجية :

الهدف الأول: ترسيخ مبادئ وقواعد وأحكام حريات العمل الجمعوي في التأسيس والتعبير والممارسة؛

الهدف الثاني: ترسيخ مبدأ وقواعد وأحكام استقلالية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية؛

الهدف الثالث: تعزيز شفافية وحكامة وديمقراطية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية؛

الهدف الرابع: تنظيم الدعم والتمويل العمومي وضمان المساواة وتكافؤ الفرص في الوصول إلى الموارد و المعلومات عبر اعتماد سياسة عمومية للدعم المؤسساتي والتكوين وبناء القدرات لفائدة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية؛

الهدف الخامس: تحديد مفهوم شامل للشراكة بين الدولة والجمعيات وتأطيره في اتجاه يكرس دور الجمعيات في تحقيق الأهداف ذات القيمة الدستورية والمقتضيات الجديدة المتعلقة بالديمقراطية التشاركية.

——————–

مراجع :

الظهير الشريف 1.58.376 يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات حسب ما وقع تغيره وتتميمه؛

القانون رقم 004.71 بتاريخ 21 شعبان 1371 ( 12 أكتوبر 1971) يتعلق بالتماس الإحسان العمومي؛

المرسوم رقم 2.04.969 الصادر في 28 من ذي القعدة 1425 (10 يناير 2005) بتطبيق الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفمبر 1958) بتنظيم حق تأسيس الجمعيات؛

المرسوم رقم 2.04.970 الصادر في 28 من ذي القعدة 1425 ( 10 يناير 2005) لتطبيق القانون رقم 004.71 بتاريخ 21 شعبان 1371 (12 أكتوبر 1971) المتعلق بالتماس الإحسان العمومي.

عبد الواحد أعمير

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً