آنذاك كان المغرب يعدّ للضغط على المحتل الإسباني كي ينجلي عن تلك الأراضي التي استعمرها لأزيد من 90 سنة، بمسيرة سلمية أطلق عليها الملك الحسن الثاني “المسيرة الخضراء”، حيث توجّه 350 ألف من المغاربة عزلاً مقتحمين حدود تلك المناطق المحتلة وقتها، مرغمين مدريد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي ستتفتق عن اتفاق ثلاثي بينها وبين الرباط ونواكشوط.

الأمر الذي أثار حفيظة الجزائر، ودفع علاقاتها بالرباط إلى بلوغ أقصى مراحل التوتر، خصوصاً مع بداية الاشتباكات المسلّحة بين الجيش المغربي والجناح المسلح للجبهة الصحراوية. وكردٍ على هذه التطورات اختارت سلطات الجزائر طرد نحو 45 ألف مغربي قسرياً من أراضيها، كانوا مقيمين بمختلف المدن الجزائرية، بعد أن جُرّدوا من ممتلكاتهم وبيوتهم.

المسيرة الكحلاء

“كنت طفلاً آنذاك، لكن ما زلت أتذكّر كل تفاصيل الطرد الذي تعرضنا له من الجزائر”، يقول حميد العاطي الله لإحدى وسائل الإعلام المغربية. حميد هو أحد أبناء “المسيرة الكحلاء” كما شاعت تسميتها إعلامياً، حينما طردت السلطات الجزائرية آلاف المقيمين المغاربة عن أراضيها، رداً على “المسيرة الخضراء المغربية” وتوقيعها وموريتانيا اتفاق مدريد الذي يُعيد سيادة أراضي الصحراء إليهما مناصفة.

“عائلتي كانت تعيش وضعيّة مستقرة في الجزائر، ووالدي كان يعمل مع شركة فرنسية هناك، ولأمّي خمسة إخوة ماتوا شهداء في الجزائر، دفاعاً عن تحريرها” كل هذا لم يشفع له ولعائلته أمام “العذاب النفسي الذي مورس علينا، من ترحيل في شاحنات للزبالة وحافلات مهمشة، وتجريدنا من كل ممتلكاتنا، وإعادة تفتيشنا جميعاً في النقطة الحدودية للجزائر، قبل رمينا أمام الحدود المغربية” يضيف حميد في شهادته، وهو الذي ما زال بعد أزيد من 45 سنة مرّت على الواقعة يعيش بـ”ذاكرة معذّبة” حسب وصفه.

يعود تاريخ ذلك القرار إلى 18 ديسمبر/ كانون الثاني 1975، وبينما الأمّة الإسلامية تحتفل يومها بعيد الأضحى المبارك، كانت دوريات الشرطة الجزائرية والدّرك تدور على بيوت الأسر المغربية، تستدعيهم للتهجير دون السماح لهم حتى بفرصة توضيب حقائب لسفرهم المصيري ذاك بلا رجعة.

وفيه من استُدعي قبلها، يقول ميلود الشاوش، الذي كان طفلًا وقت تهجيره، بأنه كان داخل الفصل الدراسي حين حلَّ شرطيان بالزي المدني وبدآ في المناداة على اسمه وأسماء أطفال آخرين، “تملكني الخوف حين اقتادونا نحو المجهول”. يُردف ميلود أنه لم يكن يعرف وطناً وقتها غير الجزائر، التي ولد بها وترعرع في حياة هنيَّة إلى يوم وقوع الحادثة.

وتحكي المذيعة الرياضية المغربية، قائمة بلعوشي، بحسرة عن قصة قضائها ليلة في قبو مخفر بوهران ليلة تهجيرها وعائلتها، حيث لم يتعدَ عمرها وقتها 11 سنة، قائلة: “بعد تجميعنا، حُشرنا نحو 100 شخص في زنزانة ضيّقة بقبو مخفر بوهران، حيث كانت الهواء خانقاً مثقلاً بالروائح العفنة كون تلك الزنزانة لم يكن فيها مراحيض أو قنوات صرف”. وتضيف: “في الصبح، حملونا ليأخذوا بصامتنا، تخيلوا طفلة في عمر 11 سنة تؤخذ بصماتها وكأنها مجرمة” تقول قبل أن تغلبها دموعها.

ذكرى أليمة و جريمة في حق الإنسانية تلك التي ارتكبها النظام الجزائري يوم تم طرد و تهجير 350 ألف مغربي من الجزائر في ليلة…

فيما ألم هذه المأساة الإنسانية ليس حصراً على من ألمّت بهم من مغاربة جراء قرار السلطات الجزائرية، بل حتى العائلات الجزائرية التي مُزّقت بعد أن هجّر الطرف المغربي منها، والآباء الذي فقدوا نساءهم وأبناءهم، والأمهات اللاتي فقدن أبناءهن وأزواجهن. يقول المحلل السياسي الجزائري عبد الله أنس، وهو أحد من شهدوا الواقعة: “أنا أذكر وأنا ابن الغرب الجزائري.. وأذكر وكم أندم على نفسي وأخجل، بالرغم من أنه رُفع عني القلم، لأني لم أكن بالغاً ذلك الوقت”.

واسترسل أنس: “عندما فتحنا أعيننا في يوم عيد الأضحى، وأنا أسكن في ولاية بين تلمسان وبلعباس، إخواننا الذين درسوا بيننا، ولعبنا معهم، والصبى قضيناه مع بعض، طُردوا”، مردفاً: “قرار أهوج، صلينا الصبح، فإذا بسيارات الجيش وسيارات الدرك الوطني تدق الأبواب على الجزائريين، لأنهم بالنسبة لنا جزائريون، نحن عمرنا معرفنا أنهم مغاربة، وهم بالنسبة لنا جزائريون.. خالتي الزكراية والله خلات العيد (الأضحية) معلق، خاذوهم بالقوة ورماوهم في الشاحنة”.

ينتظرون جبرَ الضرر

ما زال المغاربة المطرودون من الجزائر ينتظرون جبر ضرر لا يبدو للسلطات في العاصمة نيّة الاعتراف به. وفي المغرب، حيث استقروا بعد طردهم، أسسوا جمعية “المغاربة ضحايا الطرد التعسفي من الجزائر” للنضال من أجل هذا الحق. حيث يعملون على توثيق شهادات المطرودين وحفظ ذاكرة الحادثة، وتنظيم وقفات احتجاجية للتذكير بقضيتهم وتجديد مطالبهم للحكومة الجزائرية.

سنة 2015، قررت الجمعية رفع شكوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا، للنظر في قضيتهم ضد الدولة الجزائرية. واصفة قرار الطرد بأنه “يمكن تصنيفه في خانة الجرائم ضد الإنسانية”. داعية إلى “تنفيذ توصيات الأمم المتحدة” في قضيتهم والتي تنصّ على “حلّ الملف، وتعويض الضحايا، وجبر ضررهم، وإرجاع ممتلكاتهم”.

هذا، وسبق إحداث لجنة ثنائية مغربية جزائرية لدراسة ملفات المغاربة، وتحديد تعويضات مالية، للذين رُحّلوا قسراً من الجزائر، لكنّها لم تأتِ بأي إنصاف للمتضررين إلى الآن.