<
<
<
الرئيسية رجال من ذهب محمد الخامس: المثل الأعلى في المقاومة / الجزء الثاني : الحماية تغير موقفها الى مستعمر

محمد الخامس: المثل الأعلى في المقاومة / الجزء الثاني : الحماية تغير موقفها الى مستعمر

3 يوليو 2021 - 11:33
مشاركة

سجل الواقع التاريخي هذه القصة الوطنية الخالدة لترويها الأجيال سلفا من خلف، و ليذكرها المغاربة على الدوام فتبعث في نفوسهم الفخر و الاعتزاز إنها قصة كفاح جلالة الملك محمد الخامس والد جلالة الملك الحسن الثاني جد جلالة الملك محمد السادس، من أجل تحرير المغرب و الخروج به من عهد التأخر و الانحطاط إلى عهد التقدم و الرقي، ومن ظلمات الاستعمار و العبودية إلى نور الاستقلال و الحرية.

وُلد محمد الخامس عام 1909 بمدينة فاس المغربية، ليكون آخر أبناء السلطان المولى يوسف بن الحسن الثلاثة، تلقى تعليمه على الطريقة التقليدية. وبعد 15 سنة من دخول الاحتلال الفرنسي المملكة المغربية، تولى الحُكم وعمره لا يتجاوز 18 عاماً.

المغرب و الحرب العالمية الثانية..

كان موقف ملك المغرب عند اندلاع الحرب العالمية الثانية بجانب معسكر الديمقراطية و شارك مشاركة فعالة لتحقيق حرية الشعوب و بحكم نفسها بنفسها، كما كانت شجاعة جنود المغرب في تلك الحرب مضرب الأمثال.

و في سنة 1934 اجتمع بالمغرب أقطاب الحلفاء وفي مقدمتهم الرئيس روزفلت ووسنتن تشرشل: و لم يترك السلطات الوطني هذه الفرصة النادرة تمردون أن ينتهزها لصالح حرية بلاده و استقلال وطنه، و اندهش العالم عندما رددت الإذاعات حينئذ هذا الخبر قائلة:

– تحدث أمس في مؤتمر أنفا عظمة سلطان مراكش إلى الرئيس روزفلت ورنستن تشرشل حديثا طويلا: و علم مراسلنا من مصدر خاص أن عظمة السلطان قد تكلم من حق بلاده في حريتها و استقلالها بمجرد ما تضع الحرب أوزارها.

و كان هذا الموقف الوطني الانطلاقة الصريحة نحو الاستقلال الناجز مباشرة، كما كانت الباعث الحقيقي على كل ما تلا ذلك التاريخ من المواقف الأحرى، و ما كانت عملية تحرير عريضة المطالب بالاستقلال يوم 11 يناير 1944 إلا تصريحا كتابيا لما عبر عنه السلطان في مؤتمر الأقطاب و لذلك هرعت مئات الوقود إلى القصر الملكي في يناير 1944 تؤيد الملك الزعيم الذي جمع حينئذ مجلسا وزاريا هاما من أجل المطالبة باستقلال بلاده و تحريرها من رقبة الحماية.

و لم يفقد المستعمرون وسيلة للانتقام من سير هذه الحركة التحررية التي يقودها الملك المكافح، و ألقت الحماية القبض على الوطنيين الملتفين حول السلطات، و هيجت الناس عمدا بذلك الإجراء.

دورة المطالبة بالإستقلال

تفاقمت الحالة العامة في البلاد، وكثرت المظاهرات واستخدمت سلطة الحماية كل ما تملك من قوة السلاح و النار التي صوبتها لحد صدور الأبرياء الذين كانوا يتساقطون في الشوارع و الأزقة و هم يهتفون بكل إيمان و حماس.

عاش سيدي محمد بن يوسف عاش الملك يحيى زعيم الأمة محمد ابن يوسف زعيم الحرية و الاستقلال.

وكم سقط من الأبرياء في معركة يناير 1944 و كم نهيت جيوش الاحتلال من بيوت و دكاكين، و كم انتهكت من حرمت، ولكن الشعب ظل وراء ملكه المكافح، ظهرت روح التضامن الكامل بين سائر الطلبات.

مئات من المغاربة استشهدوا و الآلاف سجنوا و عشرات من الشباب حكم انتهكت من حرمت، و لكن الشعب ظل  وراء ملكه المكافح ، و ظهرت روح التضامن الكامل بين سائر الطلبات.

مئات من المغاربة استشهدوا و الآلاف سجنوا وعشرات من الشباب حكم عليهم بالإعدام و موظفون مغاربة كثيرون عزلوا و أقفلت المدارس أمدا طويلا في وجه أبناء المغرب.

أصبح محمد بن يوسف وجها لوجه حينئذ أمام  سلطة الحماية التي باتت تخشاه كما تخشى أفراد أسرته الكريمة لأن الشجرة الطبية لا تلد إلا طبيا… و لكن السلطان كان ربانا حكيما شجاعا لا يخشى الزوابع مطلبا ما دام الحق معه.

و حدثت أحداث قيل الرحلة الملكية إلى طنجة.

ففي سنة 1945 سافر جلالته إلى فرنسا و قدم إلى الحكومة الفرنسية مذكرة تتعلق بمستقبل المغرب و عارض من جهة أخرى، معارضة باثة مشروعات الظهائر التي هيأتها الإقامة العامة لتأسيس شركة الفحم و أمثالها، و كان القصد منها تأميم ثروات المغرب تأميما فرنسيا أبديا.

أما في سنة 1946 تم ما سعى من أجله جلالته سميا حميدا و هو تحرير المتعلقين السياسيين الذين سبق للحماية أن ألقت القبض عليهم في السنوات السالفة.

و مع ذلك فقد ظل الاستعمارية يكيد السلطان.

ففي مساء 7 أبريل 1974 ليلة السفرة الملكية إلى طنجة أحدثوا في الدار البيضاء، ما دبروه عشر ساعات من تقتيل الأبرياء المغاربة في حي بن مسيك على يد الجيش المستعمر، إثر مناورة استفزازية سافرة ضد السكان العزل كان الغرض منها هو عرقلة سفر الملك الوطني إلى طنجة، حيث كان نظامها الدولي سيسمح لجلالته بالتذاكر مع نواب الدول المعتمدين هناك، و تساقط الأطفال و النساء و العجزة المغاربة صرعى و بدون أي جزم يذكر، و امتدت المذابح على مدى عشرة كيلومترات.

و خاب سعى الكائدين و كانت سفرة الملك العظيم الذي ألقى وسط شعبه الطنجي الوفي الخطاب التاريخي الذي دوخ دولة الاستعمار ، و كان ضربة من يد المعلم.

و صفق الطنجيون تصفيقات جنونية لملكهم محمد الخامس و أسمو ولي عهده المحبوب مولاي الحسن و أسمو زعيمة النهضة النسوية للاعائشة، و لكافة الأمراء و الأميرات و كانت أعياد لم يقع من مبدئها الاستعمار رأسه، و دخلت بفضلها قضية المغرب في طور جديد ، إذ خرجت من النطاق المحلي و دخلت المجال الدولي. 

طنجة يا العالية

كان خطاب جلالته محمد الخامس في قصر المندوبية بطنجة هزة عنيفة في الداخل و الخارج بالرغم من كونه أستم بروح المسالمة و الحكمة و الرزانة فقد عز على المستعمرين أن يشير ملك المغرب إلى الجامعة النسوية للاعائشة كأكمل ما يكون عليه الفتى المغربي المثقف الناهض و أبهى ما تكون عليه الفتاة المغربية العصرية المتحررة.

و كان خطابا مولاي الحسن حفظه الله في ” المدرسة المحمدية ” و في “معهد مولاي المهدي” مبعثا على الحماس و التأمل، و برنامجا دقيقا لما يحققه المستقبل في ميدان الدين و القومية و العلم و الوطنية “إسلام” و عروبة، و علم، وعمل، ووحدة و تعاضد.

و عندما تعددت للاعائشة، في زيها العصري للخطاب بالعربية والفرنسية و الإنجليزية في “دار المخزن” كان بروزها أكبر من توجه و أعظم من إرشاد في نهضة المرأة المغربية و تحريرها و تربيتها.

و لذلك فإن محمد الخامس قد كان بتلك الرحلة، الحكيم العبقري و المدير الموفق، و لا عجب إذا كان المستعمر قد شنها على جلالته حينئذ حملة أشد من الماضي و لكن القافلة تسير..

بعد رحلة طنجة الظافرة أخذ جلالته محمد الخامس يواصل جهاده في سبيل تحقيق الاستقلال ووضع خطة لمراجعة ، معاهدة الحماية و جعل حد للسيطرة الأجنبية في البلاد ، و كان لابد من إدراك هذه الغاية النبيلة لا سيما و هو الذي ما فتئ يردد في مختلف المناسبات ” ما ضاع حق وراء طالب”.

و حدثت أحداث، في الميدان الداخلي، بين القصر الملكي و الإقامة العامة و لا سيما فيما يتعلق بالتنظيمات الإدارية، و حقوق الأجانب في المغرب، و الحق النقابي للمغاربة، و مجلس شورى الحكومة … إلى أن كان استدعاء صاحب الجلالة من طرف رئيس الجمهورية الفرنسية لزيارة فرنسا بناء على رغبة سدته العالية لإجراء مفاوضات مباشرة عن مستقبل المملكة و كان ذلك.

في سنة 1950 و حدثت مفاوضات فعلا و لكن الفرنسيين فيها و يتصلبوا في مواقفهم السلبية و كان الشعب المغربي، في تلك المناسبة، يوافي القائد البطل بسيل من برقيات التأييد و الولاء التي ظلت تصل إلى باريس صباح مساء.

و بعد المذاكرات التمهيدية قدم الملك مذكرة مفصلة إلى الحكومة الفرنسية يشرح فيها وجهة نظره الوطنية الصريحة، و كان بجانب جلالته و برفقته و لده البار الصالح و رفيقه في الكفاح على الدوام مولاي الحسن أعزه الله، و طال انتظار الملك للجواب الفرنسي، و ما وافاه هذا الجواب حتى تأكد له فراغه، لأنه لم يستهدف المبتغى الأسمى و كان مجرد تطمينات و هامشية، فبعث بمذكرة ثانية توضيحية و تكميلية، يؤكد فيها أن أمل المغرب هو تعديل معاهدة الحماية بما يصح أن يكون مرحلة إلى الاستقلال، مع ذلك كله لم تستجيب الحكومة الفرنسية لهذا المطلب، فتبين الخلاف و عاد الملك إلى مملكته و لم يبق على موعد ذكرى عيد العرش لسنة 1950 إلا أيام و استقبله شعبه النبيل استقبال المجاهد الذي هو أهله.

وفي خطاب العرش لتلك السنة قال في هذا الصدد:

ولم يكن قط هدفنا من المحادثات السياسية التي أجريناها بفرنسا أن تظفر بتقوية سلطتنا لغاية شخصية، و إنما قصدنا بمساعينا و جهودنا صالح البلاد و رقبتها و تقدمها و لم يغب عنها لحظة واحدة أن أفضل حكم ينبغي أن تعيش في ظله بلاد تتمتع بسيادتها و تمارس شؤونها بنفسها هو الحكم الديمقراطي الذي تقوم عليه الدول المعاصرة و الذي يوافق مبادئ ديننا الحر الكريم.

و بعد أن شرح في ذلك الخطاب مختلف مراحل المفاوضات بالكتابة و القول، و أعد شعبه بمواصلة السعي و مولاة الجهود.

و بدأت الأزمة تطل برأسها، وواصل الملك جهاده لحرية شعبه.

المؤامرة الأولى..

نسترسل في سرد قصة محمد الخامس مع المستعمر و أذناب الاستعمار فقط كان هناك مجلس استشاري للمقيم العام، فيه قسم فرنسي و قسم مغربي، و يسمى مجلس شورى الحكومة، و يجتمع دوريا لدراسة الميزانية التي يقررها المديرون الفرنسيون و يتصرفون فيها و بفعل الأحداث السالفة صعد إلى ذلك المجلس أعضاء مغاربة جدد من بينهم و وطنيون مخلصون و شبان و أعوان لم يكن المقيمون المديرون الفرنسيون في الإقامة العامة متعودين على وجود أمثالهم في ذلك المجلس فلما انعقدت دورة مناقشة ميزانية 1951 أخدوا يناقشونها مناقشة دقيقة و يعبرون عن آرائهم و انتقاداتهم بشأنها. و كان المقيم حينئذ هو “جوان” فتضايق مرة من صراحة أحدهم و طرده، فما كان من بقية الأعضاء الوطنيين الأحرار إلا أن تضامنوا مع زميلهم “المطرود” و التجئوا جميعا إلى حصنهم و حامي حماهم و حمى الوطن و الوطنية جلالة محمد الخامس.

و أسرها المقيم في نفسه و لم يبتلعها و كانت هناك مناسبة عيد المولد النبوي و تقدم التهاني للجناب الشريف فاتفقت الإقامة مع أحد بيادقها ذوي النفوذ بحكم اعتباره في نظرها أقوى باشوات المملكة حينئذ و حركته كما شاءت، و بعثته متذمرا شاكيا إلى الملك، يوم ثاني العيد صباحا، من جماعة الوطنيين الذين يعتبر أعضاء المجلس المنسحبون منهم إليهم و كذلك كان، فقد تجرأ ذلك “الباشا” على المقاوم المولوي بحديث غير لائق، و تكلم بوقاحة شديدة، و أدعى أنه لابد من جعل حد للوطنيين في الحال.. و لذلك ما كان من الملك الهمام و الحالة تلك أن طرد المتكلم من القصر الملكي جزءا تصرفاته الوقح، بالرجوع إلى مقر عمله.

فخرج فعلا من هناك في دلة، و لكنه التجأ إلى الإقامة العامة الأجنبية التي كانت تسيره و اتخذته وسيلة لبث سمومها و تفريغ حقدها ضد الملك الوطني الصالح المصلح.

و دارت الحوادث دورتها و أسفرت الإقامة العامة عن وجهها، فبعدما جعلت جميع إمكانياتها رهن إشارة عملائها و منها و سائل الدعاية ، تقدم عميدها المقيم جوان إلى الملك المجاهد يوم 26 يناير 1951 مهددا متوعدا، و طلب من جلالته استنكار الوطنيين ووضع خاتمة الشريف، على مجموعة ظهائر في غير صالح الشعب المغربي و طرد أعضاء ديوان الملك الوطنيين، و أخبره بأنه ذاهب للولايات المتحدة في مهمة لحكومته، و لا بد من إنجاز هذه  المطالب لدى عودته ، و إلا فإن العرش سيعرض إلى ما لا تحمد عقباه.

و لكن محمد الخامس استهان و عيد و تهديد في سبيل أمنه و بلاده ولم يستجب لطلب المقيم الذي عام من رحلته يوم 12 فبراير 1951.

و كثر الأخذ و الرد بين القصر و الإقامة العامة.

و ازدادت مناورات أذناب الحماية و تصريحات رئيسهم الذي كان ينتقل هنا و هناك و يلقى مساعدة رؤساء النواحي و المراقبين المدنيين و ضباط الشؤون الأهلية الفرنسيين.

و كانت تلك الأعمال كلها تهديدا خطيرا لمحمد الخامس الذي لم تأخذه في الحق، و الحالة هذه لومة لائم و جعل يقينه في الله و في  شعبه الوفي.

و في يوم 21 فبراير أعلنت الإقامة عن عزمها على قطع كل علاقة بالقصر الملكي.. و بمعنى ذلك أنها تتخلى من “حماية الملك” و أسرته الكريمة زيادة في التهديد و الضغط و الوعيد، فلم تكن لمحمد الخامس قناة في سبيل الحق و نصرة شعبه.

و عمدت سلطات الحماية إلى مهزلة من أسخف المهازل إذ استقدمت نحو فاس و الرباط و سلا أفراد من القبائل على صهوات حيادهم وادعت أنها “تحركات تلقائية” للاحتجاج و الاستنكار لموقف الملك من الاستعمار .. و كان أولئك النفر لا يدرون شيئا عن المهمة التي أرسلوا إليها و حسبوها إحدى المناسبات التي كانوا يسخرون لها وجويا فلبسوا زي العيد على مألوف العادة و ساروا في سرور و ابتهاج و ضحك العام أجمع لهذه السخافة التي تدل على سخافة عقلية المستعمر في كل زمان و مكان.

و توالت أحداث هذه المؤامرة و استفلحت مكيدة الخوارج بزعامة الباشا المسخر و بعض أتباعه المسخرين أيضا.

و لكن ما أسفرت عنه هذه الأحداث كان دعاية لقضية المغرب في الخارج، فأخذت الدول العربية و الإسلامية و الصديقة تناصر ملك المغرب و تؤيده.

و فشلت المؤامرة فشلا واضحا…

و عزل المقيم جوان من وظيفته بالمغرب و خلفه خلف سوء المقيم كيوم، وقوى الوعي الوطني في البلاد، و انتقلت القضية المغربية إلى المحافل الأممية و كان عيد العرش 18 نونبر1952 أكبر صرخة من الملك الذي قال “لو وضعوا الشمس في يمينه و القمر في يساره على أن يترك ذلك الأمر، ما كان ليفعل “و أعلن في خطاب ذلك اليوم جهازا عن وجوب مراجعة معاهدة الحماية.

ثم ازدادت الحالة استفحالا و كانت مأساة 8 دجنبر 1952 على أعقاب العيد الفضي، وهي المأساة التي حدثت بمناسبة التظاهر استنكار لاغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد و تساقط المواطنون المغاربة في الدار البيضاء تحت وابل قنابل المستعمرين.

و توالت المظاهرات دوريا في مختلف أنحاء المملكة تأييدا شعبيا للملك الوطني الزعيم و ألقت الحماية القبض على عدد من أنصار الملك، و امتلأت المعتقلات استفزازا ترهيبا.

 وفي كل تلك الأحداث ظل محمد الخامس يقود سفينة الحرية إلى شاطئ النجاة.

مؤامرة الثانية

إنها المؤامرة على العرش وعلى صاحب العرش و أسرته الشريفة، و قد قويت هذه المرحلة التي تبدأ بيوم 7 يناير 1953 شوكة الثالوث ، الباشا ” الكلاوي” و المقيم العام “كيوم و الشيح الكتان” الذين اجتمعوا حينئذ في “تيسة” و دبروا ما دبروا ضد محمد الخامس و عرشه، و ذلك بإمالة عدد من الباشوات و القواد و تاليهم على سيدهم ووالي نعمتهم المدافع عن  الحرية و الاستقلال.

و هكذا فما أشرف شهر ماي  1953 على نهايته (27 منه) حتى حملت الأنباء أن المقيم كيوم سلم في باريس إلى وزير خارجية بلاده “ببدو” عريضة تحمل توقيع 2701 جبناء وقعوها خوفا من نقمة المستعمرين وقوتهم و سلطتهم، فلم يعر القضية أكثر مما تستحق من الاستخفاف، و ما زاده هذا الحادث إلا إيمانا و حزما و عزما على مواصلة الكفاح إلى النهاية لأنه يدرك أن الحق يعلو و لا يعلى عليه و أن عاقبة المخلصين النجاح.

و حاول المقيم كيوم جس النبض يوم 31 مايو 1953 حينما تقدم إلى القصر الملكي فسمع من الملك  ما أدهله، فقد وجده ملك ثابت الجنان، و صلب العود و قوي الإخلاص لمبادئه محافظا على سيادة بلاده ولا يبالي بعواء النباحين.

و انتشرت  موجة من السخط في البلاد على الحماية و رجالها وأذنابها، و عمت الأوساط فورة الاستنكار و انطلق الشعب بكافة طبقاته يوجه عرائض التأييد و الولاء إلى الملك و برقيات التشبث بعرشه الشريف.

و أظهرت باشوات و قواد آخرون استنكارهم الصريح للعريضة المذكورة و أعربوا عن ولائهم لسيد البلاد.

و حاول المستعمرين محاولات أخرى إذ أسسوا جمعيات و أشباه أحزاب أهمها جميعا “جمعية الوجود الفرنسي ” أخبث رجعية استعمارية بليدة عرفها العالم ولم تفت جميع المناوشات و المناورات في عفص الملك المجاهد وولده البار المخلص و ما كانت أصداء تنقلات خديم الحماية بين باريز و المغرب خلال شهر يوليوز 1953 لتنقص من إيمانها بمواصلة الكفاح العادل، و ظل الشعب يتجول في الشوارع و يتحدى المستعمر و يردد جهارا:

– يحيا محمد الخامس، يحيا الملك، عاش ولي العهد المحبوب.

وتزاحم الشعب في الدار البيضاء على تسجيل ولائه في دفتر القصر الملكي، و يكذب الإشاعات التي يروجها أولئك الذي تجمعوا في مولاي إدريس زرهون يوم 11 غشت 1953 استجابة لرغبة ” بونيفاص”.

وحذر الملك في رسالة.الحكومة الفرنسية من مغبة هذه الفتنة التي تشغلها الإقامة العامة في المملكة المغربية، و تبرأ العلماء من زعيم الخوارج باشا مراكش، و أصبحت مراحل المغرب تغلي حامية و كانت أياما شاب لهولها الصبيان.

و كان الأسبوع السابق ليوم 20 غشت 1953 سلسلة متوالية الحلقات من المآسي التي يضيق عن تفصيلها هذا المقام، إذ أصبحت حينئذ عاصمة الجنوب ملتقى كل رقطاء، و تفشي الظلم و قلب الحقائق في أخطر صورها. و شارع نبأ استقدام دمية للتربع على العرش، فتجاوبت أرجاء المملكة من أقصاها إلى أقصاها، ملك واحد محمد الخامس، ملكنا واحد، محمد الخامس.

نعم، تجمع مضل في مراكش تحميه القوة و ترعاه، و تجمعات وطنية  في مساجد  وشوارعها طولا و عرضا تشتتها القوة بالسلاح و النار، و بلاغات تصدر هنا و هناك، و جنود المستعمرين، و رجال شرطتهم يستفزون المواطنون و يسيلون دماء الأبرياء و ديانا و أنهارا، و الملك الحكيم يتألم حسرة و أسى، ويدعو إلى الهدوء و الرزانة و رباطه الجاش و قصره مطوق من جميع الجهات بدبابات المستعمرين و المراقبة الصارمة مضروبة و مفروضة على تنقلات الأمراء و الأميرات و خروهم ودخولها.

و كان الناس هنا و هناك ينتظرون على أحر من الجمر أن تسفر الحكومة الفرنسية عن موقفها بعد ما تذاكر المقيم “كيوم” مع الوزير الخارجية “ببدو” و اجتمع المجلس الوزاري بباريس و كل هذا يوم 19 غشت 1953.

و عاد مقين السوء إلى الدارالبيضاء صباح يوم 20 غشت 1953 حيث اجتمع توا بباشا مراكش بينما كانت الطائرات تحلق فوق الرباط و تنتشر الذعر. و الجنود بسلاحهم و معداتهم متمركزون في مختلف منافذ أمهات المدن.

 وأقدم المستعمرون على انتهاك أعظم حرمة مقاوم، و سبق الوطني الأول في تاريخ المغرب إلى المنفى بكورسيكا هو و أسرته الكريمة يوم 20 غشت 1953 في الظروف التي نعرفها جميعا،  وكان ذلك هو الحكم القاضي الذي حكم به الاستعمار على نفسه في المغرب، و تلا كورسيكا الانتقال إلى مدغشقر. و لكنك كنت لا تسمع من المواطنين في كل مكان إلا مثل هذه الحوار:

  • يا ويلهم لقد فعولها
  • أن نبقى مكتوفي الأيدي
  • نموت جميعا فداء لعرش محمد الخامس
  • كيف؟ أنرضى بالإهانة إلى هذه الدرجة؟
  • أزف أوان الكفاح المسلح، سوف نبحث عن السلاح ***نصوب السيف في وجه من جوده ضدنا: فاللغة التي يفهمها المستعمر هي لغة الموت، لغة الجهاد.
  • سنلغي كلمة المغرب و ملك المغرب و سوف ننزع حقنا من المستعمر بقوة الحديد و النار.
  • إن ملكنا ضحى بعرشه في سبيل هذه الغاية النبيلة، فكيف بنا نحن.
  • سيعود محمد الخامس إلى عرشه، و سيعود عزيزا منتصرا ظافرا.

و بدأ الكفاح المسلح، و كان دعى العرش ابن عرفة أول هدف للطلقات الأولى التي صوبها إليه المجاهدون و كان إيمان علال بن عبد الله أمضى في شفرة مديته، و أصبح في كل يوم جديد. و في كل يوم انتصار، و أصبحت الكلمة لأنصار محمد الخامس و شعب محمد الخامس و ندم المستعمرون و لات ساعة مندم، و من دبر النهاية ، و لاحت بوادر الفرح في سماء المغرب و كان الشعب الذي أخلص له محمد الخامس مخلصا لمحمد الخامس.

و مرت أيام النفس و العذاب و حلت أيام الجزاء الأوفى للصابرين، و طوبى للشهداء الذين لم يطلبوا أجزاء مقتدين بملكهم الذي لم يسع لشكور و إنما هي حرية المغرب سعى إليها الملك فقال الشعب “لبيك يا مليكي”.

يتبع

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً