<
<
<
الرئيسية رجال من ذهب محمد الخامس: المثل الأعلى في المقاومة – الجزء الأول : ملاد البطل

محمد الخامس: المثل الأعلى في المقاومة – الجزء الأول : ملاد البطل

3 يوليو 2021 - 11:16
مشاركة

سجل الواقع التاريخي هذه القصة الوطنية الخالدة لترويها الأجيال سلفا من خلف، و ليذكرها المغاربة على الدوام فتبعث في نفوسهم الفخر و الاعتزاز إنها قصة كفاح جلالة الملك محمد الخامس والد جلالة الملك الحسن الثاني جد جلالة الملك محمد السادس، من أجل تحرير المغرب و الخروج به من عهد التأخر و الانحطاط إلى عهد التقدم و الرقي، ومن ظلمات الاستعمار و العبودية إلى نور الاستقلال و الحرية.

ميلاد البطل

 كان المغرب قد دخل في عهد مظلم من تاريخ في مطلع القرن الحالي، فقد امتدت إليه الأطماع الاستعمارية و بدأت بعض دول أوروبا تبرم فيما بينها الأوقاف السرية في غفلة عنه و عن أبنائه من أجل احتلال أرض المغرب التي ضلت، طيلة أكثر من ثلاثة عشر قرنا ، صامدة في وجه المعتدين ، مستقلة من كل تدخل أجنبي، و ما أطلت سنة 1909 حتى كان السيل قد بلغ الزبى ، و الشعب الشهم ينادي من كل جهة ،  “الغوث.. الغوث يا رب، خذ بيدنا يا إله العالمين انصرنا يا رب على الأعداء”.

و ما زاد في الطين بلة أن الأيادي الأجنبية كانت قد أحدت تمد العون للخوارج على السلطة . و تعطي المال لأمثال “الروكي بوحمارة ” و تنشر الفتنة و الجهل في البلاد.

في تلك الظروف الدقيقة الصعبة القاسية، و يوم 23 رجب 1327 للهجرة الموافق ليوم 10 غشت 1909، أسبوعا واحدا قبل إلقاء القبض على الفتان الروكي، نادى المنادي ، ورددت صداه المملكة شرقا و غربا.

في هذا اليوم المبارك السعيد، أكرم الله الشريف الأصيل، الحسيب النسيب، الأمير ابن الملوك، و سلالة  السلاطين العلويين مولاي يوسف بن سلطان المنعم مولاي الحسن  فرزقه تعالى ولدا ذكرا أسماه محمدا.

أنها الرحمة حينما تولد وقت الشدة، فكأنها البلسم الشافي الذي بذخره الله لتفريج كرب عباده حينما يشتد بهم الخطب و يعظم الرزء و يتمكن المستعمر من المغرب بقوة السلاح و النار، و بتشجيع الشعوذة و تضليل العامة و تفرض الحماية الأجنبية على المملكة المغربية المنيعة، و تحدث أحداث، و تمر الأيام ، و يشب محمد و يتوفى الله إليه والد محمد، السلطان مولاي يوسف ، و تبحث الأمة على من يخلفهن و يكون هذا الخلف الطيب هو محمد بن يوسف و يكون يوم المبايعة من أعظم أيام تاريخ المغرب يوم الجمعة 22 جمادى الأولى 1346 للهجرة ، الموافق ليوم نونبر 1927، و كان أول تصريح سمعه العالم من السلطان الشاب هو:

” إن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا  لا من أجل تنمية سعادته المادية، وحدها، ولكن لنكفل له الانتفاع من تطور فكري يكون متلائما مع احترام عقيدته، و يستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة”.

كان وعدا لم يخلفه صاحبه، و كان في نفس الوقت تشجيعا و تصريحا بما حققه الرجل العظيم.

و تبدأ قصة كفاح محمد بن يوسف من أجل عزة بلاده و شعبه بمحاربة البدع و الشعوذة لتطهير العقول من الخرافات التي كانت محلية للمستعمر. وهكذا فما مضت مدة وجيزة على مبايعته حتى أصدر أمره الشريف إلى الباشوات و القواد بما أفصح عنه المناورون الذين انطلقوا في شوارع المدن وأرجاء القرى يرددون:

– يا عباد الله يا أيها المسلمون لن تسمعوا إلا خيرا، بأمر من جلالة الملك السلطان نصره  الله يمنع من اليوم التجول في الشوارع على طريقة الهمج : بافتراس الأكباش واللحوم، وشق الرؤوس، و من أنذر فقد أعذر.

وقبل الناس هذا الإصلاح بالترحيب و الاستبشار، و رأوا فيه بداية  خير و رقي، لأن أمير المؤمنين سعى بذلك العمل إلى الرجوع بشعبه إلى الإسلام السميح ، و إلى تطهير المجتمع من الأضاليل.

ثم أخذ الملك الشاب يهتم بالعلم و يصلح شؤون التدريس ببناء المعاهد و مراجعة برامج التعليم الإسلامي، كما أخذ يجدد المساجد و يبنيها و يحرص على أن يحضر بنفسه بعض المظاهرات الدينية التي كان دعاة التدجيل- بتشجيع من المستعمر – يستغلونها آنذاك حتى تخلو من ما قد يسيء إلى الإسلام  الحقيقي و السلفية الصالحة و لم تكن هذه الحركة الإصلاحية التي بنهجها السلطان الشاب لتروق الإقامة العامة، ولكنه سار فيها قدما.

و تحت تأثير تلك الحركة السلفية رأى – رحمه الله – تلك الرؤيا الربانية القدسية التي ظلت طيلة حياته شعارا قوميا و نورا وهاجا، و كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة. و كذا قوله عليه الصلاة و السلام:”لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح و ترى له”.

فبعد سنتين فقط من توليه الملك، و بعد انتهاء سمر ديني بضريح مولاي إدريس بزرهون حدث أن نام الملك الجليل الشاب نوما مستريحا : و فيما هو – رحمه الله – في عالم الأحلام التي تشبه اليقظة ، إذ رأى كان سلطانا أحر قادم ، بينما هو يعلم أن السلطان الوحيد، و رأى فيما يرى النائم أبا بكر الصديق يوصيه من قبل الرسوم الكريم بالثبات: في الحق، الثبات على المبدأ الثبات في تحرير العقول من الرجعية و الأوهام ، الثبات في تطهير الأفئدة من الجود و التأخر، الثبات في تحرير المغرب من رقبة العبودية و الاستعمار.

و كانت تلك الرؤيا نبراسا وضاء و ثبت محمد بن يوسف في جميع مواقفه، وثبت الله قدمه منذ أن أخطا الخطوة الأولى في مهام الملك و الأماراة: واجبه الشعب وتوسم فيه القائد البطل منذ أن رآه – من البداية يؤازر الحركة العلمية و يعطف على الضعفاء و يعين الفقراء و يوجه العقول، و يعمل بحكمه من أجل مواجهة المستقبل.

الظهير البربري

و كان أول كيد كادوه رجال الحماية لملك الشاب و لشعبه، و أعظم بادرة شر  دشنوا بها ذلك العهد أن أصدروا المرسوم الرامي إلى تفريق سكان البلاد، و خلق النزاعات القبلية .. عملا بمثلهم

السائد: “فرق تسد ” و كانت منهم خدعة و استغفالا لم ينجحا، و انطلق الشعب يردد: لن يفرقنا كيد المستعمرين أبدا، فلنا من إخلاص أمير المؤمنين أقوى ضمانة لوحدتنا، فليس في المغرب إلا مغاربة أخوة كرام يدينون بالولاء لإمام واحد، و ملك واحد، فهو عمدتنا و رمز وحدتنا سواء منا العرب و البربر فكلنا مغاربة  ونموت جميعا فداء لوحدة أمتنا و بقائها على قلب رجل، ودين واحد، و شريعة واحدة، و عرش واحد، كما انطلقت أرجاء المساجد تردد الدعاء “اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، اللهم لاتفرق بيننا و بين إخواننا البر ابر”.

و كانت تلك المحنة في سنة 1930 بعد ثلاثة أعوام فقط على تربع محمد بن يوسف على عرش المملكة فوقف- رحمة الله – موقف الدفاع عن وحدة شعبه، خاب كيد الكائدين رغم تأسيسهم المحاكم العرفية و تحريمهم أتباع الشريعة الإسلامية في الحكم و الترافع بين المواطنين في المناطق الجبلية، فما ازداد الشعب إلا تعلقا بالإسلام ، و الشريعة المحمدية، و تشبثا بجلالة الإمام المخلص أمير المؤمنين محمد بن يوسف الذي أخذه، بعد فترة وجيزة من تلك المناورات، يقوم بالزيارات التفقدية و يتصل مباشرة بمختلف الطبقات.

برنامج الإصلاحات و المطالب المستعجلة

و أعطت بذور الموجه الحكيم ثمارها الباكرة، و هام الشعب في ملكه حبا، و كانت سنة 1934 تحولا عظيما، و تجلت مظاهر الحب المتين بين الملك و شعبه في سلسلة الحفاوة و الابتهاج التي أصبحت عادة في كل عام .. ثم كان عمل الملك المجاهد الباعث على تقدم لائحة ( برامج الإصلاحات المغربية ). ولكن الصدمة الكبرى التي تلقتها السلطة الاستعمارية هي التي أصابتها في سنة 1935 حينما تقدم جلالة السلطان محمد بن يوسف بطلب تعديل الحماية،  الأمر الذي رفع من معنوية الحركة الوطنية التي كانت نبعا من عمل الملك القائد و من نضاله ، و ما جاءت سنة 1936 حتى كان التطور الفكري و الوطني قد أخذ ينتشر و سرى الوعي مسراه رغم ضغط الحماية و رجالها، و كانت خلاصة هذه الحركة هي التي تضمنتها حينئذ لائحة “المطالب المستعجلة التي عمل محمد بن يوسف على تشجيع المطالب بها و لكن الإقامة العامة قاومتها أشد المقاومة فإن  السلطان- حينئذ – طلب وراء شباب الوطنية المغربية بتحقيق ما ملخصه:

-1 الحريات الديمقراطية (الصحافة، الاجتماع، الجمعيات حرية التجول في إنحاء  البلاد، النقابات).

-2 التعليم ( توحيد البرامج في جميع أقاليم المملكة، تكثير عدد المدارس)

-3 العدل (فصل السلطة الإدارية عن العدلية و التنفيذية)

-4 الفلاحة (تأسيس الملك العائلي)

-5 العملة و الصناع ( تجديد الصناعة المغربية و حمايتها من المزاحمة الأجنبية).

و لكن المستمرين ما كان منهم إلا أن تحدوا كل إرادة ملكية سامية و زجوا في السجن ببعض شباب الأمة، و تعسف الجيش الاستعماري و تعسف شرطة الحماية ما شاء لهما التعسف و لكن عزيمة محمد بن يوسف لم تنفذ لذلك التحدي السافر، فظل المدافع المقاوم عن حرمة  الوطن، والإمام الأوحد للوطنيين، كما ظل يرسم الخطط و يتحين الفرض المواتية و يشجع على نشر التعليم و رفع الوية النهضة في شتى الميادين.

يتبع 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً