<
<
<
الرئيسية أصداء وطنية الشطط في استعمال السلطة زمن كورونا

الشطط في استعمال السلطة زمن كورونا

18 مايو 2020 - 10:34
مشاركة

على خلفية واقعة الاعتداء على نائب وكيل جلالة الملك بطنجة التي أثارت حفيظة الكثيرين .. تتبعت عن كثب جل التعليقات التي كانت في مجملها تضع الصفة المُعتدى عليه كأساس مركزي لبداية النقاش أوالتعليق عليه… وحقيقة الأمر أن هناك قراءات أبعد من واقعة الاعتداء الملازمة للصفة والمكانة الاجتماعية، والتي هي أصلا تتعلق بموظف سامي من درجة الحريصين على تطبيق القانون وتنزيله خصوصا في زمن الحجر الصحي في ظل جائحة كورونا…

نعم بغض النظر عن الصفة والتي تورِط المُعتدي باعتبار التسجيل الذي وَثق النازلة، كون المعتدى عليه قدم لأحد رجال القوات المساعدة نفسه وصفته  لكن مرفوقة بنفس العبارة التي اعتبرها مهينة ومساس بشخصه ــ لست أدري ألكون منصبه السامي أو باعتباره مواطن مغربي محمي بقوة القانون ــ هذا السلوك الذي قد يصدر عن أي شخص لا يقبل الإهانة ــ كل حسب نمطيته ومكانته ــ ، مما رافق الحوار التحية من العنصر الأول ما لم يستصغه العنصر الثاني الذي التحق بزميله وتدخل (ودائما حسب التسجيل) بسرعة لتتطور الوضعية إلى ما صرح به السيد نائب وكيل جلالة الملك عبر وسائل التواصل الاجتماعي..

مثل هذه الانتهاكات تتبعناها عن كتب وفي أحوال كثيرة لكن لا تعني القاعدة ، بل هي استثناء والشاذ خارج عن القاعدة.. وكتبت سابقا في مقال عن اكراهات الصحفي بين الواجب المهني والواقع المعيش.. أشرت فيه إلى أن فرض الحجر الصحي وبسبب سفاهة ورعونة البعض ــ أركز على البعض ــ سيعيدنا إلى سنوات الرصاص وسيكسر صرح حقوق الإنسان في هذا الوطن الحبيب ..

لكن دائما كنت أتساءل على فرض أن المعتدي اعتبر المعتدى عليه مواطن عادي كون الحي الشعبي الذي يقوم فيه بمهمته، وبالتالي يستحيل أن يترجل منه نائب وكيل جلالة الملك للتبضع ، فهو لا محالة منتحل صفة ينظمها القانون وخارج عن القانون كونه خرق الحجر الصحي الذي كلف بحراسته عن كتب، والتي يحرص من خلال مهامه على تطبيق القانون الذي يتشدق به كل من أوقف مواطنا فيه (الفهامة) أنفة المغاربة بأدب… لتتراكم الأسئلة الموجهة لحقيقة الوضع في ظل جائحة كورونا… فهل كل خارج عن القانون ــ وإن بالخطأ والتقدير السيء ــ يهان وتنتهك حرمته ويجرم قبل تتبع المسطرة التي ــ من طبيعة الحال ــ  ستطول بحراسة نظرية مهينة ومطولة في أغلب الأوضاع بحجة الظرفية الراهنة ليُساق ويُجرجر ــ بهذا اللفظ ــ  إلى المحكمة ليُخلى سبيله بريئا مما نُسب إليه لعدم توفر الأدلة على ما دوّن بالمحاضر الرسمية دون اعتبار لكرامته التي ــ مرمدها ــ حُطت من قبل معتقليه… وقد تكون التعليمات الشفهية من ممثل النيابة العامة بالاعتقال مبنية على الشخص نفسه الذي لم تَرقه تصرفات المواطن البسيط والعادي الذي لم يخنع، أو لم يرض العنف بكل أشكاله اللفظي والجسدي… ولربما من أصدر تعليمات الحراسة النظرية نفسه من أخلى سبيله بعدها دون أدنى رد لاعتباره ومهانته وبالتالي نكون أمام وقائع تشبه يوميات نائب في الأرياف الذي كان يطبق القانون بحرفية دون أن يكلف نفسه وهو في موقف قوة عناء تغيير الفساد..

وعلى منوال كاتب الرواية توفيق الحكيم تصرف السيد نائب وكيل جلالة الملك الذي لم يحرك ساكنا حينما سمع السُّبة “الحيوان” معتقدا أنها لا تخصه، في حين لو تدخل قبل تطور الأوضاء ــ وهو يتمتع بالصفة الضبطية ــ وقام برد الاعتبار للمواطن الذي سبقه والذي قال باللفظ أن كلمة “حيوان” اقتسمها معه ولا تعنيه إلا بعد تكرارها..

أيضا وفي حالات مماثلة وموثقة لماذا لم تتحرك النيابة العامة باعتبار سلطتها في تحريك الدعوى خصوصا خلال الحجر الصحي لتعبر عن حسن النية ــ وهو أصل في جميع قراراتها ــ ضد كل من تبث لديها أنه انتهك حرمة القانون؟ والنماذج كثيرة وموثقة كما ذكرت لكنها كانت تخص فئة هشة تمثل المواطن المغربي البسيط الذي تراكمت عليه هموم الدنيا وساعات انتظارٍ لوهم القفة الانتخابية.. وترسخت في ذاكرته التاريخية سلطة المخزن.. ووقائع كثيرة وقعت لصحفيين منهم من يحملون شارة إحدى القنوات الوطنية ومنهم من وثق وووووو… لم يسلم جلهم من التعنيف بعد نقل صور ــ بقصد أو عن غير قصد ــ توثق لمشاهد الخرق السافر لحقوق الإنسان..

وأي عنف أعمق من أن يُقصى بسلطة الداخلية كل صحفي لم يحصل على البطاقة المهنية في الوقت الراهن لظروف كأنها هي التي تثبت الصفة ، في خرق سافر ، وتدخل مباشر في اختصاصات النيابة العامة المكلفة بتطبيق القانون المتعلق بالمهنة وتداعيات الملائمة؟.. أم أن الدنيا تقوم وتقعد حينما يعنف رجل القانون ؟.. إن أخوف ما أخاف على بلدنا الحبيب وباسم الحجر الصحي وتداعيات كورونا أن تنتكس المنظومة الحقوقية بوسائل فرض الحجر الصحي المهينة والمرهبة والمحقرة في سلوك يومي لدى بعض المكلفين بتطبيق القانون لمواجهة المواطن البسيط… هذا المواطن الذي انجرفت حقوقه أيضا برعونة من لا ضمير له ولا حس وطني يحكمه لكن وجب تطبيق القانون وردع المخالفين دون انتهاك لحرمة المواطن الذي يضمنها له الدستور المغربي ، غير ناسين أو متناسين أن المغرب قطع أشواطا كبيرة مع مظاهر الإعتداءات وخروقات حقوق الإنسان لكن في ظل جائحة كورونا التي كشفت لنا وبجلاء حنين البعض للعودة إلى نمط الإساءة والتحقير ، لتبقى هذه الواقعة هي الكاشفة والمبينة لمنظومة وجب تحليلها عاجلا واتخاذ ما من شأنه أن يسقط أصحاب النمطية القمعية القديمة من هرمهم السلطوي وبالتالي اجتثات الظاهرة في ظل الجائحة قبل أن يتسع الرتق على الراقع كما يقال .

 

بقلم الدكتور عبدالجليل جودات

                                                                                                    فجر يوم الأحد 17 ماي 2020م

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً