الرئيسية رئيس التحرير المسيرة التي صنعت مغربا جديدا

المسيرة التي صنعت مغربا جديدا

3 نوفمبر 2018 - 11:03
مشاركة

ما إن اصدرت محكمة العدل الدولية الدولية قرارها الإيجابي في قضية الصحراء المغربية حتى توجه صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني في خطاب الأمة يوم 16 اكتوبر 1975 يعلن فيه للعالم حزم المغرب وعزمه على استرجاع أقاليمنا الصحراوية بتنظيم مسيرة تحريرية وموحدة تضم 350 ألف متطوع من جميع تراب المملكة.
ومع انطلاق عملية التسجيل تسارع المتطوعون نحو مكاتب التسجيل وشاء القدر ان يتم اختياري للمشاركة في هذه المسيرة بينما لاحظت تدمرا يعلو وجوه أولئك الذين لم يحذوا بفرصة المشي فوق تراب صحرائنا المغتصبة .
قضينا 48 ساعة في مخيم تجمع بعين السبع ، – حاليا مقر عمالة عين السبع – كان فرصة للتعارف بين كل المتطوعين البالغ عددهم 35 ألفا من الدار البيضاء .
ومع حلول موعد انطلاقنا نحو مدينة أكادير تم تزويدنا بالمؤونة ، وطوال الرحلة توصلنا بحصص إضافية من الزاد والماء . وصلنا يوم 26 اكتوبر إلى مراكش حيث وجدنا 500 رجل إعلام من الصحافة المكتوبة ، المرئية والمسموعة من العالم بأسره ، جاؤوا لتغطية حدث مسيرة الوحدة أو معجزة القرن العشرين .
ومرة أخرى تزودنا بما نحتاجه بمحطة أيت ملول قرب اكادير لنبلغ بعد ثلاثة أيام طرفاية .
لقد كانت بحق عملية ضخمة ومنظمة حيث تم تجميع 350 ألف متطوع خلال 14 يوما شكلت النساء نسبة 10% منها ، كما جند 300 قائد وخليفة ، و900 من الشيوخ والمقدمين و 470 طبيبا و220سيارة إسعاف و1000 إطار ، 7813 شاحنة وحافلة ، 63 ألف طن من الماء ، 2590 طن من الوقود و 17 ألف طن في المؤونة .
وكانت أسرنا تتابع عملية وصولنا إلى طرفاية عبر وسائل الإعلام المختلفة – الإذاعة والتلفزة – أما نحن فكان المذياع هو الوسيلة الوحيدة التي نتابع عبرها مايجري
وبتاريخ 31 اكتوبر أصبحت الصحراء مغربية بجلاء القوات الإسبانية من محطة الطاح ، وعلى بعد 32 كلم من الحدود كنا نتابع يومنا باعتماد برنامجنا كالتالي : أداء صلاة الفجر ، تناول وجبة الإفطار ثم نتجول من “مدينة ” إلى أخرى ، كان الأمر أشبه بممارسة رياضة المشي وأحيانا نصادف فردا من العائلة او صديقا تطوع هو الأخر من ” مدينة ” أخرى .
وخلال مقامنا هناك لمدة أسبوع تم تزويدنا بالسكر ، الماء ، الحليب ، الخبز ، الزيت ، الشمع ، علب الثقاب ، السجائر ، الصابون ، الثمر …إلخ وكانت العزيمة والصبر والوطنية
وهنا أتذكر المقولة الذهبية لجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ” غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطالون أرضا من أراضيكم، وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز. ” ، تم زاد ” بمجرد ما تخترق الحدود عليك أن تتيمم من الصعيد الطاهر، تلك الرمال، ثم تستقبل القبلة وتصلى بأحذيتك لأنك مجاهد وتصلى بأحذيتك شكرا لله تعالى. ” وقبل ذلك زارنا عدة اطر حدثونا عن المسيرة ، والدور الذي ينبغي أن تلعبه لاسترجاع صحرائنا .
وذلك اليوم، يوم الإنطلاقة ، استيقظ الجميع باكرا وبعد صلاة الفجر تناولنا وجبة الفطور تم قطعنا المسافة التي تفصلنا عن الحدود الوهمية ، وما أن تراءى لنا إقليمنا المغتصب حتى تجاوزنا ” الكروشي ” على وقع هتافات الله اكبر الصحراء لنا ، الحسن الثاني محررنا وتم رفع العلم المغربي رسميا في هذه النقطة وتيمم المتطوعون برمال صحرائنا والكل كرجل واحد قبلوا أرض أجدادهم وتوجهوا صوب المسجد الحرام ودموع الفرحة تضيء عيونهم ليشكروا رب العباد على نعمة استرجاع أرضهم .
وفي حماسة الشباب توغل المتطوعون كيلومترات عديدة في صحرائهم مسلحون بكتاب الله ” القران الكريم ” وما أن حل الليل حتى اتخذ الجميع هذه الأرض الرحبة مخيما قضينا به 3 أيام كانت خلالها المفاوضات المغربية الإسبانية تجري على قدم وساق ونحن نتابع مستجدات الأحداث عبر الراديو لان الجرائد كانت تصلنا متأخرة أزيد من 3 أيام .
ثم أمرنا جلالة الملك بالعودة على طرفاية قائلا : شعبي العزيز لنعد إلى نقطة انطلاقنا ، المتطوعون نحو طرفاية و المؤطرون إلى مراكش
كان الأمر أشبه بوضع عصى في إطار عجلة ، لأن بعضنا كان يريد الاستمرار.. في حين فهم الأغلبية معنى الخطاب الملكي وبأن الصحراء ستعود إلى مغربها .
لقد أنجزنا مهمتنا كما قال جلالة الملك .. وعدنا إلى طرفاية حيث أعدت لنا بعض النساء المتطوعات أكلات من الخبز المطهو على الخشب .. وفي جو احتفالي ترفيهي شاهدنا أفلاما وثائقية عن الفولكلور المغربي ثم حصلنا على أغلى جائزة وهي بطاقة الشرف موقعة من المتطوع الأول جلالة الملك الحسن الثاني . غمرت فرحة عارمة لأنها كانت تعني لنا الكثير.. لم نشا مغادرة المكان فقد كان مغربا أخر مغرب الأخوة والتحدي .
وبعد خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى العشرين لاستقلال المملكة المغربية والذي جاء فيه : ” أخي المتطوع ما أن تعود إلى ديارك أن تبنى أواصر مطبوعة بالصداقة انطلاقا من رباط المسيرة …ينبغي عليكم استثمار أنشطة تجعل من أسرة المسيرة قوة دفع تلبي نداء الواجب كما تطلب ذلك .. يجب خلق وداديات ، جمعيات ثقافية ورياضية تجعل من اللحمة التي تكونت في مخيمات المسيرة أكثر قوة واتحادا من شمال المغرب الى جنوبه من شرقه إلى غربه “.
التحقنا بأسرنا ومن تم شهد المغرب ميلاد العديد من الوداديات والجمعيات الثقافية والأندية الرياضية طبقا للتعليمات السامية لرائد الأمة ومن تم أيضا ينبغي على كل واحد منا أن يتخذ من هذه النصائح واجبا يقوم به .
وفعلا تأسست جمعيات ووداديات لنفس الغرض ولتبقى ملحمة المسيرة في ذاكرة كل مغربي ومغربية الى ان يرث الله الارض ومن عليها
وكنت أثناء المسيرة اراسل جريدة ” ماروك سوار ” التي كنت أعمل بها لنشر مقالاتي تحت عنوان ” Carnet de Route d’un volontaire”
لقد صنعت منا المسيرة الخضراء رجالا وطنيين يلبون النداء الملكي مستعدين للتضحية في سبيل الوطن وقضيته الأولى .
لقد كتبنا تاريخنا بأحرف من ذهب تقرأه الأجيال القادمة
مستعد مرة أخرى لأعيد التجربة إذا اقتضى الأمر ذلك وانا
المصطفى بلقطيبية رقم بطاقة التطوع 11105
رقم بطاقة الصحافة 958

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً